
تقنية البلوكتشين تقود المستقبل
د. إبراهيم الحريري
لا مزيد من المحامين! لا مزيد من المحاسبين! لا مزيد من المصرفيين! لا مزيد من المستشارين! لا مزيد من موظفي الهجرة! لا مزيد من المسؤولين الحكوميين!
قد تبدو هذه الشعارات مقلقة للعديد من الطلاب والمهنيين في هذه المجالات، ولكن يمكن أن تتحول إلى عبارات مثل “لا نريد موظفي الهجرة!” أو “لا نريد المحاسبين!” أو “لا نريد الوسطاء!”
كيف ستبدو الحكومات بعد خمس سنوات من الآن؟ هل يمكن أن نصل إلى نقطة تكون فيها الحكومات غير موجودة على الإطلاق؟ كما يقول روجر هاميلتون: “في هذا العصر التكنولوجي الجديد، قد تكون أفضل حكومة هي عدم وجود حكومة على الإطلاق.”
هل يمكن أن تتحول هذه الشعارات الكبيرة إلى واقع؟ الإجابة الصادمة هي نعم، والطريقة لتحقيق ذلك هي من خلال تقنية البلوكتشين.
لذلك، دعونا نقدم لكم هذه التقنية الجديدة التي ستقود مستقبل العالم وتغيره:
ما هو البلوكتشين؟ أو ما هو الإنترنت التبادلي؟
يشير مصطلح “البلوكتشين” إلى عملية إنشاء كتل متتابعة في العملة الافتراضية البيتكوين، يتم استخراجها بترتيب متسلسل. يعتبر البلوكتشين دفتر حسابات حيث يتم تسجيل جميع المعاملات المالية، الأصول، النفقات، وما يشابهها، على غرار دفتر الحسابات العام في القطاع المالي.
يعمل البلوكتشين كنظام سجل إلكتروني لمعالجة وتسجيل المعاملات، مما يسمح لجميع الأطراف بتتبع المعلومات الدقيقة عبر شبكة آمنة دون الحاجة إلى التحقق من طرف ثالث.
تم اختراع تقنية البلوكتشين في عام 2008 وهي برنامج معلوماتي مشفر يعمل كسجل موحد للمعاملات على الشبكة. يتم ربط كل مجموعة من المعاملات في سلسلة، مما يوفر لجميع المشاركين رؤية شاملة لكل ما يحدث داخل النظام.
تم تصميم البرنامج المعلوماتي ليكون غير مركزي، مما يسمح بإجراء المعاملات بين المستخدمين دون الحاجة إلى تدخل أطراف ثالثة مثل البنوك أو الأنظمة التجارية المركزية المستخدمة عالميًا.
أصبحت تقنية البلوكتشين محركًا رئيسيًا للتنافس بين الشركات العالمية، إلى جانب نظرائها مثل الذكاء الاصطناعي، الواقع الافتراضي والمعزز، الهواتف الذكية، إنترنت الأشياء، وغيرها.
التقنيات المركزية واللامركزية والبلوكتشين:
بالعودة إلى ظهور الإنترنت والسنوات القليلة التي تلت تلك الحقبة، كانت معظم تطبيقات الويب تعتمد على فكرة مركزية البيانات ومجموعة من الحواسيب المرتبطة بها للحصول على المعلومات. على سبيل المثال، كانت البريد الإلكتروني في الأساس مركز بيانات مركزي يتصل به المستخدمون للتحقق من صناديق الوارد الخاصة بهم، ونفس الشيء ينطبق على محركات البحث أو برامج الدردشة في ذلك الوقت.
ومع ذلك، خلال العقد الأخير، تغير شكل تطبيقات الإنترنت مع ظهور ما يُعرف بالويب 2.0. يشير هذا المصطلح إلى التطبيقات السريعة التي تحل محل تلك المثبتة على الحاسوب، مثل تطبيقات تحرير الصور أو إنشاء المستندات. مع الويب 2.0، لم يعد هناك حاجة لتثبيت البرامج على الحاسوب؛ بل أصبح التصفح كافيًا لإنجاز هذه المهام، بفضل التقدم في تقنيات ولغات الويب، بالإضافة إلى التحول من التخزين المركزي إلى التخزين اللامركزي.
يعني التخزين اللامركزي للبيانات وجود خوادم أو قواعد بيانات متعددة تعمل في وقت واحد لتلبية طلبات المستخدمين بأسرع وقت ممكن. يفسر هذا زيادة سرعة تطبيقات الإنترنت. بدلاً من الاتصال بخادم في أمريكا لقراءة البريد الوارد في هوتميل، على سبيل المثال، يتصل النظام بأقرب خادم متاح جغرافيًا لتقديم البيانات بأقصى سرعة. ومع ذلك، تظل ملكية تلك البيانات والخوادم والتقنيات تعود لشركة واحدة.
سويسرا وقرية التشفير!
تدعم الحكومة السويسرية مجموعة عمل محلية تضم خبراء ومهنيين قانونيين ومسؤولين حكوميين تهدف إلى بناء بيئة تشريعية وتنظيمية للشركات الناشئة التي تعمل بتقنية البلوكتشين. تضم هذه المجموعة وزير المالية والاقتصاد، ومسؤولين فيدراليين، وممثلين عن الشركات ذات الصلة.
تدرس المجموعة الإرشادات القانونية المحيطة بتقنية البلوكتشين، حيث يعتقد المسؤولون هناك أن هذه التقنية أصبحت ذات أهمية متزايدة ليس فقط للعملات الرقمية ولكن للعديد من الصناعات.
في الواقع، لطالما تعاونت سويسرا مع شركات البلوكتشين والعملات المشفرة. هناك منطقة تُعرف باسم “وادي التشفير” تجذب عددًا كبيرًا من شركات البلوكتشين والعملات المشفرة وتُقارن بوادي السيليكون الشهير في كاليفورنيا.
بالإضافة إلى ذلك، اقترح المجلس الفيدرالي المزيد من التشريعات في عام 2017 حيث بدأت البنوك السويسرية في دخول أسواق العملات المشفرة. من الجدير بالذكر أن “وادي التشفير” يمتد على مسافة 30 كيلومترًا من زيورخ ويستضيف عددًا كبيرًا من المشاريع الناشئة والمبتكرة. كانت مدينة زوغ، وهي مدينة في وسط سويسرا، أول مدينة في العالم تقبل المعاملات بالعملة الرقمية، بما في ذلك البيتكوين، في المعاملات الحكومية.
البلوكتشين كمؤشر للسعادة!
في عام 2018، أعلنت دبي خطتها لتصبح “أول حكومة تعمل على الطاقة النظيفة عالميًا وأكثر مدينة سعادة على وجه الأرض”، مع هدف التحول بنسبة 100% إلى البلوكتشين بحلول عام 2020.
في أكتوبر، أطلقت دبي خدمة العملة المشفرة “emCash”، وأقامت المجلس العالمي للبلوكتشين الذي يضم 46 عضوًا بالشراكة مع مايكروسوفت، وآي بي إم، وسيسكو، لقيادة تبني دبي لتقنية البلوكتشين.
ما هي فوائد وميزات البلوكتشين؟
تم تصميم البلوكتشين ليكون مثاليًا للعديد من المعاملات، ويمتاز بالخصائص التالية:
- الأمان:
من المستحيل تقريبًا تزوير المعاملات. كل مشارك في الشبكة يتحقق من كل كتلة ويجب عليه التحقق من دقتها، مما يجعل أي محاولة اختراق مماثلة لمحاولة الدخول إلى باب محروس بمئات الحراس.
- الشفافية:
كل كتلة مرئية لكل عضو في الشبكة، مما يضمن الثقة بين الأطراف ويعزز مصداقية المعاملات.
- التعاون:
نظرًا لأن البلوكتشين ليس له حدود، فإنه يسمح بالتعاون الآمن بين الأطراف المشاركة في أي نوع من المعاملات.
- السرعة:
يستخدم البلوكتشين تقنية الند للند دون وسطاء، لذا فإن السعة تعتمد فقط على الطرفين وسرعتهما في معالجة المعاملات.
- التكلفة:
معاملات البلوكتشين ذات تكلفة فعالة لأنها لا تتطلب جيوشًا من الموظفين أو معالجة معقدة للمعاملات أو أختام، رسوم، تأخيرات، أو طباعة. تقدر دبي أنه من خلال وضع 100 مليون مستند سنويًا على البلوكتشين، ستوفر 25 مليون ساعة عمل و1.5 مليار دولار في الضرائب.
بفضل هذه الخصائص وغيرها، تتمتع البلوكتشين بإمكانيات غير محدودة للتطبيقات المستقبلية. فيما يلي بعض الأمثلة على استخداماتها المستقبلية:
- صنع القرار:
يمكن استخدام البلوكتشين في الأعمال التجارية والحكومات لزيادة الشفافية بين الأطراف، وتقليل الفساد، وتبسيط البيروقراطية. تصبح المعاملات واضحة وشفافة ومفتوحة للرقابة العامة، مما يجعل كل شيء من عقود الإيجار والملكية إلى الانتخابات الوطنية عادلًا ونزيهًا.
- الرعاية الصحية:
يمكن للبلوكتشين تحسين الوصول إلى السجلات الطبية من خلال السماح بمشاركة آمنة للسجلات بين مقدمي الرعاية الصحية. يمكن للأطباء تجميع كل هذه المعلومات لتحسين التشخيصات وتطوير خطط علاج أكثر شمولًا للمرضى.
- بيانات البحث:
ستستفيد مراكز البحث من جمع البيانات من الأفراد والمؤسسات والحكومات لإجراء الدراسات والإحصاءات لتحسين المجتمعات. على سبيل المثال، يمكن أن يساعد جمع بيانات المرضى على البلوكتشين في تطوير البحث الطبي، وعلاج الأمراض، أو تقديم رؤى حول علاجات أكثر فعالية.
- تتبع السلع المسروقة والقبض على اللصوص:
نظرًا لأن جميع العناصر والمعاملات سيتم تتبعها ومراقبتها من خلال معرفات فريدة ومربوطة فعليًا بالشبكة والبلوكتشين.
- هوية شاملة عالمية:
يمكن أن يصبح سرقة الهوية شيئًا من الماضي باستخدام البلوكتشين، حيث ستكون هناك هوية عالمية تشمل جميع معلومات التعريف الشخصية الخاصة بك – بما في ذلك جوازات السفر، السجلات التعليمية، ورخص القيادة – مخزنة بشكل آمن على البلوكتشين.